نيترات داخل عيادة طبّ نفسي

لبنان 25 آب, 2020

ستزدهرُ في الأيام المقبلات عياداتُ الأطباء والمعالجين النفسيين في عاصمتنا المنكوبة. سيكونُ إيجادُ لقاحٍ ضدَّ عُضالٍ جديدٍ في بيروت بأهمية إيجادِ لقاحٍ ضد كورونا. بيروت مدينةٌ منهارةٌ عصبياً بكل ما ومن فيها. بعدَ الجروحِ في الرأسِ والكتفِ والرجلين حانَ وقتُ تضميدِ الجراح التي ضربت معنويات اللبنانيين وأصابت استقرارهم النفسي. أخبرني عددٌ من الناجين أنهم شعروا مع الإنفجار وكأن عالماً برمته اختفى من أمام أنظارهم بغمضةِ عين.

لم يتأكد الناجون بعدَ مرورِ أسبوعين تقريباً أنهم نجوا حقّاً. ينتابُهم أحياناً شعور بأنهم موتى على قيدِ الحياة أو أحياءٌ على قيدِ الوَفاة. رواياتهم المتشابهة تؤَسِّسُ لنمطٍ جديدٍ من النجاة. نجاةٌ يشعرُ معها الناجي أنه يشقُّ طريقه خارجَ المكان والزمان. يتحركُ بلا إرادة. يتجوَّلُ بين الأنقاض بلا مشاعرَ محددة. محاطٌ بالدمِ والأشلاءِ والتأوهاتِ لكنه لا يرى ولا يسمع. واقِعُه خَرَجَ من حياته وحياتُه دخلت في الوهم. معادلةٌ لا يمكنُ تذوّقُ عذابِها العصبي والنفسي إلا بالنّجاة. الموتى الذين قضوا بالإنفجار محظوظون من هذه الزاوية حصراً. لن تُميتُهُم مأساة نَجاتِهِم ألف ميتة كل يوم.

سَتُصَنَّفُ أمراضُ الناجين أمراضاً مستعصية. رأيتُهم بعد أن خُتِمَت جراحُهم. ينظرون إليكَ وكأنك كائنٌ شفّاف. يخترقونَ بأنظارهم جسمَكَ الى ما هو أبعد. لم يقترب الموتُ من إنسانٍ في العالم بقدر ما اقتربَ من هؤلاء. ما زالوا يرونه يدورُ حولهم كذئبٍ أسوَد. يقولُ لهم: أنتم محسوبونَ على مِنجَلي. حصدتُكُم بقطعِ الرأس. تحسَّسوهُ مثبَّتاً على صوصٍ ونقطة فوق أكتافكم.

الناجون يتأكدون من حياتهم من داخل موتهم ويشكِّكونَ بموتهم من أرجاءِ حياتهم. دَخَلَ الموت سِيَرَهُم الذاتية وباتوا يفتشون عن مهنةٍ جديدة. مهنةُ قيادةِ مركبةٍ على خطٍّ أزرق يفصلُ بين وطنِ الأموات ووطنِ الأحياء. الناجون هم شرطةُ حدود وخفر سواحل يمشّطون ليل نهار الحدودَ بين النعشِ والسرير وبين النَّومِ والوفاة. بعضُ النائمين يتنزّهون خارج أسرّتهم ليلاً. الناجونَ من الإنفجار يتنزهونَ خارجَ أكفانهم ليلَ نهار. هذا ما يحوّلهم إلى مرضى فوق العادة وحالات مستعصية.

لا ينفعُ مع الناجين عمليات تجميل. حجمُ البشاعةِ التي دخلتْ مسامَهُم صارت عصيةً على أي جراحة. التَّلَفُ توغّلَ بعيداً داخلهم. تمَّ اغتيالُ كلِّ الأشياء التي اعتادوا رؤيتَها وكلِّ المفرداتِ التي كانوا يستعملونها. تمَّ تدميرُ حياتهم بكلِّ بساطة.

عندما تكسرُ إناءً من الكريستال لا يمكنك أن تعيدَه الى سابقِ شكلِه ولا أن تعيدَ اليه الأزهارَ ولا أن تملأه بالماءِ من جديد. ستكونُ أمامَ قطعِ زجاجٍ مبعثرة. إذا حدثَ أن نجحتَ في جمعِ أجزاءِ الإناء ستجدُ أنك رمَّمتَ مسخاً. حتى عيدان الكبريت المستعملة ترفضُ الدخولَ اليه. الناجون أوعيةٌ مليئةٌ بالعيدان المحترقة. يُخيفونَ غيرهم ويخافون منهم. الناجون في الحقيقة أجزاءٌ مجمَّعةٌ مملوءةٌ بحطامِ ذاكرةٍ وبِرَمادٍ من الصُّوَرِ المتفحِّمة.

الأوجاع الكبيرة لا تثرثر والأحزان العميقة سَكوتة. سيواجه الأطباء معضلةَ صمتِ الناجين. الكلماتُ المتعارفُ عليها ستكونُ عبئاً على التعبير. سيكونُ على الإختصاصيين التحدثَ مع صمتِ الناجين. صمتٌ مزوَّدٌ بِدَوِيٍّ أقوى من دَوِيِّ إنفجارِ المرفأ وبعصفٍ أكثرَ تدميراً منه. ثمة نيترات من أمونيوم الصمت أقوى من أي مواد متفجرة في العالم.

الناجون يعانون من لعيان وجودي سيرافقهم ما عاشوا وسيكون عليهم أن يتقيّأوا حياتهم كلّما اشتهوا قضمها من جديد. يشبعونَ من جوعهم ويجوعونَ دون جَدوى لقضم الحياة من جديد. نحن أمامَ مأساةٍ أكبر من ترميمِ واجهةِ ألومنيوم وأكبر من أثاثِ غرفةِ نوم وأكبر من طقمِ فضِّيَة. نحن بكل بساطة أمام عاصمةٍ صارت بالنسبة للآلاف من سكّانِها غولاً يخرجُ الى كوابيسهم ليلاً وإلى سكوتهم نهاراً. بين الكابوس في الظلمة والسكوت تحت نور الشمس ينمو وحشُ الخوف من المستقبل في قلوب الناجين.

ليبانون ديبايت

مواضيع متعلقة:

الدولار الجمركي.. طريق غير سالكة!

كتبت "المركزية": لا تبدو الطريق أمام رفع الدولار الجمركي سالكة سياسيًا حتى الساعة. فوفق ما تقول مصادر سياسية مطّلعة لـ"المركزية"، المزيد

اللواء عثمان ينفي خبراً في إحدى الصّحف: إفتراء!

صدر عن المديرية العامة لقوى الأمن الدّاخلــي ـ شعبة العلاقات العامّة البلاغ الآتي: "نشرت صحيفة "الأخبار" في عددها الصادر بتاريخ المزيد

فوضى في السّوق… وهذا ما يفعله بعض التجّار!

جاء في "اللواء": تجدد الخلاف على قيمة الدولار الجمركي، ومن يسعره، ومسؤولية الحكومة غير الموجودة على هذا الصعيد، فضلاً عن المزيد

دولار السّوق السّوداء يواصل الارتفاع

يواصل سعر صرف الدولار الأميركي مقابل الليرة اللبنانية في السوق السوداء ارتفاعه متخطّياً الـ33 ألف ليرة. وبلغ سعر الدولار في المزيد